محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

56

أخبار القضاة

في عاجل دنيا ، وآجل آخرة والسلام « 1 » . حدّثنا إبراهيم بن محسن بن معدان المروزي ؛ قال : أخبرنا عبيدة بن حميد ؛ قال : حدّثنا حفص بن صالح أبو عمر الأسدي ، عن الشعبي ؛ قال : كتب عمر بن الخطّاب إلى معاوية « وهو أمير « 2 » بالشّام » : أمّا بعد ، فإني كتبت إليك في القضاء بكتاب لم آلك فيه ونفسي خيرا ، فالزم

--> - الآخرة . والمعنى واضح على هذه الروايات . ( 1 ) وقد روى البيهقي في باب ( من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصا أو إجماعا ، أو ما في معناه ، رده على نفسه وعلى غيره ) كتاب عمر لأبي موسى بهذا الإسناد بلفظ : « أما بعد لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ، راجعت الحق ؛ فإن الحق قديم ؛ لا يبطل الحق شيء ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل » . ثم قال البيهقي : ورواه أحمد بن حنبل ، وغيره عن سفيان ؛ وقالوا في الحديث : « لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ، راجعت فيه نفسك ، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ؛ فإن الحق قديم ، وإن الحق لا يبطله شيء ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل » ا ه . ورواه كاملا في كتاب الشهادات . وفي كنز العمال ( بعد أن نقل الكتاب بلفظ قريب من رواية وكيع ) علّم عليه بعلامة الدارقطني ، والبيهقي ، وابن عساكر . وقد روى ابن القيم في أعلام الموقعين هذا الكتاب ؛ عن أبي عبيد ، ثم قال في نهاية الرواية ما نصه : قال أبو عبيد : فقلت لكثير ( أي الذي روى عنه أبو عبيد ) هل أسنده جعفر ( أي الذي روى عنه كثير وهو جعفر بن برقان ) ؟ قال : لا . ثم قال ابن القيم : وهذا كتاب جليل القدر ، تلقاه العلماء بالقبول ، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة . والكتاب مروي في البيان والتبيين للجاحظ ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ، والكامل للمبرد ، والأحكام السلطانية للماوردي ، والمقدمة لابن خلدون ، بألفاظ مختلفة طبعا . وقد كان هذا الكتاب موضع دراسة وتعليق لكثير من العلماء ، وخاصة من المستشرقين ؛ وقد كتب الأستاذ مرجوليوث ؛ أستاذ اللغة العربية في جامعة أوكسفورد سابقا فصلا عن هذا الكتاب في مجلة الجمعية الأسيوية ؛ عمد فيه للمقارنة بين ثلاث روايات اختارها ؛ وهي رواية الجاحظ ، وابن قتيبة ، وابن خلدون ؛ وحاول أن يجعل من اختلاف الروايات سببا للتشكيك في صحة نسبة الكتاب إلى عمر ، وعجب أن يكون هذا الكتاب قد نقل شفاها من عمر لأبي موسى . وليس أحد الأمرين - فيما نرى - داعيا للتشكيك في الكتاب ؛ أما الثاني فلأن أغلب الروايات تدور على سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى ؛ وفيها يقول الراوي عنه : فأخرج لنا كتبا فيها كتاب عمر إلى أبي موسى . وأما الأول فلأن اختلاف الروايات في الحديث لا يكون سببا قادحا فيه ، وموجبا لرده ؛ خصوصا وأن هذا الكتاب عن عمر ( لا عن الرسول ) ، وهو مكتوب في معنى خاص ، لا يغير من شأنه اختلاف الروايات فيه ، ما دامت كلها تحمل هذا المعنى ، والعلماء الخبيرون بالأخبار ، وطرق نقلها لم يشكوا في صحة الكتاب ، ولم ينقل عن واحد منهم معنى من معاني رده . وقد تولى تفسيره كثير منهم ؛ وأعلام الموقعين لابن القيم يكاد يكون كتابا موضوعا لشرح كتاب عمر ؛ اتخذ التعليق عليه وسيلة للإفاضة في كثير من أسرار التشريع التي نصب ابن القيم نفسه لبيانها ، والدفاع عنها ، ولم يشكك هو ، ولا شيخه ابن تيمية في الكتاب من قريب أو بعيد ، ولو كان في الكتاب مغمز ما ترددا في بيانه . ( 2 ) روي هذا الكتاب في العقد الفريد هكذا ( إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادلة ، أو اليمين القاطعة ، وإدناء الضعيف حتى يشتد قلبه ؛ ويبسط لسانه ، وتعاهد الغريب ، فإنك إن لم تتعاهده ترك حقه ، ورجع إلى أهله ، وإنما ضيع حقه من لم يرفق به ، وآس بين الناس في لحظك وطرفك ، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يتبين لك فصل القضاء ) .